بعد الحرب وانتشار البطالة ... شباب غزة يهربون من الواقع الاليم إلى مقاهي الإنترنت والكوفي شوب والأطفال إلى ألعاب الفيديو
تحقيق / اياد عبدالكريم العبادلة
مع ارتفاع اصواتهم وضحكاتهم المصاحبة بالتصفيق والصفارات، وصوت يقول" قتلته.. قتلته . فزت أنا الفائز، وللحظات خرجوا يركضون، اثار فضولي الصحفي لمعرفة ماذا يحدث جعلني اقترب من ذلك المكان، فتملكتني الدهشة مما رأيت، فلم يكن هناك دماء ولا قتيل بل ما يقارب من 15 طفل لا يتعدى أكبرهم 18 عاما يجلسون أمام شاشات الكمبيوتر، وآخرون أمام ماكينات الألعاب" الفيديو"، بخلاف المشجعين والمرافقين لهم".
ذالك المشهد الذي اثارفضولي للعديد من الاستفسارات، ماذا يفعل كل هؤلاء الأطفال داخل" محل صغير" لا يوجد به تهوية وغير صحي، حيث تعلوا الضحكات من هنا وهناك وأحيانا الشتائم والسباب داخل ما يطلق عليه اسم " مقهى انترنت" أو كما يقول المهتمون" سايبر" لان من هب ودب أصبح يفتتح المقهى دون حسيب أو رقيب".
حسام المصري في الصف التاسع 15 عاما، سألته كم ساعة من اللعب يقضيها داخل هذا المكان فقال" بأنه كل يوم بعد ان يعود من المدرسة ظهرا ياتى إلى هنا حتى آذان المغرب، ويبقى يلعب" لعبة الحرب" التي تعرف باسم " counter strike " وهي لعبة جماعية عبر شبكة الإنترنت ".
ظننت أن كلام حسام مبالغ فيه لان هذا الوقت طويل جدا، فسألت صاحب المقهى لؤي 30 عاما، هل فعلا يقضى الأطفال هذا الوقت الطويل فضحك وقال" هذا أقل شيء، يوجد هنا أطفال يأتي آبائهم لكي يأخذونهم إلى البيت وهم طوال الوقت هنا وحسام زبون دائم لنا، وربما لأن الآن مدارس يوجد أطفال قليلون أما في أوقات العطل وأيام الخميس يكون العشرات من الأطفال هنا خاصة أنهم يدفعون" نصف شيكل" مبلغ زهيد "، هؤلاء الأطفال لديهم هوس وإدمان على الألعاب، خاصة أن معظم الأطفال ليس لديهم جهاز كمبيوتر شخصي في البيت، لذا يلجئون لألعاب الإنترنت في الخارج حيث المجموع الاكبر.
علما أن آخر نتائج البيانات التي صدرت عن جهاز الإحصاء الفلسطيني بتاريخ 19- 11- 2008، أوضحت أن نسبة الأسر التي لديها أطفال (اقل من 18 سنة) ولديها جهاز حاسوب قد ارتفعت بنسبة مقدارها 26.3% بين العامين 2004 و2006، حيث ارتفعت من 28.5% خلال العام 2004 لتـصل إلى 36.0% في العام 2006، في حين ارتفعت نسبة الأسر الفلسطينية التي لديها أطفال (اقل من 18 سنة) ويتوفر لديها خدمة الإنترنت بنسبة مقدارها 83.9% حيث ارتفعت النسبة من 9.3% خلال العام 2004 لتصل إلى 17.1% خلال العام 2006".
هذا النموذج رأيته في أكثر من" سايبر للانترنت"، لأنه مشروع ربحي في ظل تفاقم البطالة في المجتمع الفلسطيني التي بلغت حسب آخر التقديرات لمؤسسات حقوقية فلسطينية محلية 80% ومعدل الفقر 90% في قطاع غزة،وكذلك عدم وجود المؤسسات المتخصصة برعاية الأطفال والاهتمام بهم ثقافيا وترفيهيا، نتيجة الحصار الإسرائيلي الخناق على قطاع غزة، ولكن ما شد سمعي كلمتي " هوس وإدمان".
الوجه الآخر أو النموذج الذي أريد التطرق له يكمن في وضع الشباب الفلسطيني ، الذين يعيشون حياة صعبة وفراغ لا يوجد له أفق، فتجدهم يهربون إلى الإنترنت سواء في البيوت أو" مقاهي الإنترنت".
"البيق بوس، هذا لقب يطلقه أصحاب الشاب بسام 25 عاما عليه، والسبب لأنه يقضى ليله ونهاره على الإنترنت، بسام يقول" انه أحيانا ينام أمام شاشة الكمبيوتر ولا يخرج كثير من البيت إلا ما ندر ، وان حياته كلها متعلقة بالإنترنت وكان يتأثر كثيرا حينما تنقطع الكهرباء، الأمر الذي دفعه لطلب شراء " مولد كهرباء صغير".
علما أن الشاب بسام عاطل عن العمل، ولديه أخ موظف حكومي وهو الآخر من مدمني الإنترنت، لكن أخيه بسبب العمل في البرمجة لذا يقضي وقت طويل أمام شاشة الكمبيوتر".
بسام ليس حالة فريدة ، بل هو واحد من مئات الشباب الفلسطيني وتحديدا في قطاع غزة، الذين يقضون ليلهم ونهارهم على الإنترنت في حالة أن توفر الكهرباء ولا تكون مقطوعة
".
كذلك مهند العبادلة خريج بكالوريوس هندسة كمبيوتر احد ضحايا حرب البطالة القاتلة التي قضت على مئات الخرجيين مثله فبدلا من ان يقضي وقته امام الكمبيوتر والتصميم اصبح احد اكبر رواد وهواة مواقع التشات سواءا على الفيس بوك او النت ميتنق وغيرها وحول شؤالي له لماذا لم يستثمر وقته في تطوير دراسته وتطبيق ما درسه اجاب ضاحكا لقد عملت في شركة لمدة ستة اشهر على اساس الحصول على وظيفة براتب زهيد فتفاجأنا بالحرب على غزة وكان مبنى الشركة الكائن في عمارة البورنو مقابل مستشفى الشفاء قد اصبح مثله مثل اي موقع عسكري وقد دمر بالكامل ومن وقتها وانا ابحث عن عمل وكما تعلم الامور في غزة بعد الحرب لم تعد مستقرة لاي نشاط تجاري.
اما ماهر عثمان ايوب الذي دفع كل ما يملك للحصول على حصة في احد الانفاق على الشريط الحدودي مع مصر وحلم بالمليونيرية اصبح لا يملك قوت يومه بعد ما دمر الطيران الاسرائيلي "تحويشة العمر" واصبح يتنقل من مقهى الى مقهى بعيدا عن التفكير والحاح الزوجة ومطالب الاطفال حالما بفقدان الذاكرة
محمد كمال او كما يلقبونه "البيسو" ملك الارجيلة احد كبار ضباط معبر رفح في الحكومة الفلسطينية الرسمية
فبعد عمل دؤوب ومتواصل وسط اشتياق الاهل والجيران اصبح من كبار رواد المقاهي هاربا من المشاكل الاسرية فلقد اصبح برنامجه من التلفزيون للكمبيوتر لمتابعة الاخبار واخر المستجدات الى السهر على نغمات الارجيلة
وعن استثمار الوقت في العمل المفيد افاد نادر ابو قاسم الذي سبق ان كان يعمل في احد الاجهزة الامنية السابقة اصبحت اقضي معظم وقتي بين اولادي ادرسهم والحمدلله النتائج ايجابية بالاضافة الى العمل الاجتماعي والخيري والتطوعي اثناء وبعد الحرب على سبيل المثال اعمل كمرشد اجتماعي تطوعي في احدى المدارس القريبة منا وذلك استنادا الى دراستي الجامعية حيث انني حاصل على درجة البكالوريوس في العلوم الاجتماعية فاثناء عملي التطوعي واجهتني عدة مشاكل من الطلبة وذلك نابع من اثار الحرب وما خلفته من دمار لحق بالشعب الفلسطيني بأكمله
يذكر أن نتائج أعلى معدل للبطالة تركز بين فئات الشباب في الفئة العمرية 15-29 سنة، وسجلت الفئة العمرية 20-24 سنة أعلى نسبة للبطالة حيث وصلت إلى 43.4% (بواقع 35.1% في الضفة الغربية و58.5% في قطاع غزة)، يليها الفئة العمرية 15-19 سنة وبلغت 38.4% (بواقع 30.5% في الضفة الغربية و61.6% في قطاع غزة)، يليها الفئة العمرية 25-29 سنة وبلغت 32.2% "بواقع 25.2% في الضفة الغربية و44.9% في قطاع غزة ، وذلك وفق جهاز الإحصاء الفلسطيني".
ومن جهته قال الدكتور أنور البنا مدير جمعية الدعم النفسي الاجتماعي للشباب بغزة لمكتبنا " أن البطالة والفراغ لهم أثر سلبي على الحياة العامة بشكل عام، ولكن فيما يتعلق بفئة الشباب والأطفال هم يمتلكون طاقة كبيرة بحاجة لتفريغها عن طريق الرياضة أو من خلال أنشطة ، ويوجد طاقة نفسية لدى الأطفال بحاجة للتفريع من خلال اللعب سواء على الانترنت أو التلفاز، لكن يجب ألا يترك ذلك أثر سلبي الإنترنت على الطفل أو الشاب ".
وأضاف البنا " ان توجه الأطفال للألعاب النارية ما هو إلا نتيجة انعكاس للواقع الذي عاشه خلال الحرب أو قبل الحرب، فيقوم بتفريغ ذلك من خلال الألعاب الحربية على الإنترنت، ولكن مكوث الطفل لفترات طويلة هذا ضرر عليه وعلى صحته وتحصيله الدراسي".
مواصلا" ولكن نقول للعب فنيات ويجب المساواة بين اللعب أو العمل، والعمل هنا يقصد به" الدراسة – الكتابة أو أمور أخري، لذا يجب المساواة بين الأشياء والا يكون على حساب الآخر، حتى لا تكون هناك نتائج عكسية عليهم، لأن الخطورة هنا إذا ترك الطفل دون توعيه وتوجيه من قبل الوالدين،لذلك يجب أن يكون الطفل مراقب من قبل الوالدين فيما يعلب أو يمارس أي نشاط ".
اما الاخصائي الاجتماعي في جمعية الثقافة المجتمعية يوسف زهران فقد لخص مشكلة الشباب الفلسطيني في عدة اسباب منها على سبيل المثال الحرب على غزة وارتفاع نسبة البطالة بين اسر المجتمع الفلسطيني بالاضافة الى المستقبل المجهول الذي ينتظر الاجيال القادمة بحيث لا توجد بنية اساسية للمجتمع الفلسطيني فكل ما نحاول بناؤوه يهدمه الطيران الاسرائيلي
You need to be a member of mepeace.org - network for peace to add comments!
Join mepeace.org - network for peace